فخر الدين الرازي

172

تفسير الرازي

عنده الأيتام ، فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا ، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى : * ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى ) * عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف ، فان خفتم في الأربع أيضاً فواحدة ، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع ، والناقص وهو الواحدة ، ونبه بذلك على ما بينهما ، فكأنه تعالى قال : فان خفتم من الأربع فثلاث ، فان خفتم فاثنتان ، فان خفتم فواحدة ، وهذا القول أقرب ، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة إلى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير . أما قوله تعالى : * ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا ) * . ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أصحاب الظاهر : النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن قوله * ( فانكحوا ) * أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، وتمسك الشافعي في بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى : * ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فممن ما ملكت إيمانكم ) * ( النساء : 25 ) إلى قوله : * ( ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ) * فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله ، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب ، فضلا عن أن يقال إنه واجب . المسألة الثانية : إنما قال : * ( ما طاب ) * ولم يقل : من طاب لوجوه : أحدها : أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة ، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك ، وما تلك الحقيقة التي عندك ، وثانيها : أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر ، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء ، وثالثها : ان " ما " و " من " ربما يتعاقبان . قال تعالى : * ( والسماء وما بناها ) * ( الشمس : 5 ) وقال : * ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) * ( الكافرون : 2 ) وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد ، وقال : * ( فمنهم من يمشي على بطنه ) * ( النور : 45 ) ورابعها : إنما ذكر " ما " تنزيلا للإناث منزلة غير العقلاء . ومنه : قوله : * ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) * ( المعارج : 30 ) .